محمد متولي الشعراوي

6079

تفسير الشعراوى

والتنفس يأتي من الهواء الذي يحيط بالأرض ، والماء ينزل من السماء أو يستنبط مما تسرب في باطن الأرض . والطعام يأتي من الأرض ، وكل ما أصله من الأرض يستخرج بالفلاحة . لذلك نقول : إن الفلاحة هي السبب الاستبقائى للحياة ، فكما يفلح الإنسان الأرض ، ويشقها ويبذر فيها البذور ، ثم يرويها ، ثم تنضج وتخرج الثمرة ، ويقال : أفلح ، أي : أنتجت زراعته نتاجا طيبا . وشاء الحق سبحانه أن يسمّى الحصيلة الإيمانية الطيبة بالفلاح . وبيّن لنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أن الدنيا مزرعة الآخرة ، فإن كنت تريد ثمرة فابذل الجهد . وإياك والظن أن الدين حينما يأخذ منك شيئا في الدنيا أنه ينقص ما عندك ، لا ، بل هو ينمّى لك ما عندك « 1 » . والمثل الذي أضربه دائما - ولله المثل الأعلى - نجد الفلّاح حين يزرع فدانا بالقمح ، فهو يأخذ من مخزنه إردبا ؛ ليستخدمه كبذور في الأرض ، ولو كانت امرأته حمقاء لا تعرف أصول الزراعة ستقول له : « أنت أخذت من القمح ، وكيف تترك عيالك وأنت تنقصهم من قوتهم ؟ » هذه المرأة لا تعلم أنه أخذ إردبّ القمح المخزّن ؛ ليعود به بعد الحصاد عشرة أو خمسة عشر إردبّا من القمح . كذلك مطلوب اللّه سبحانه في الدنيا قد يبدو وكأنه ينقصك أشياء ، لكنه يعطيك ثمار الآخرة ويزيدها .

--> ( 1 ) يقول الحق سبحانه : ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ . . ( 96 ) [ النحل ] وقوله : وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ . . ( 60 ) [ الأنفال ] وقوله : مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها . . ( 160 ) [ الأنعام ] وقوله : إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ . . ( 17 ) [ التغابن ]